الدين والحياة
الدين والحياة - إبراهيم الشرقاوي - مدينة الصالحية الجديدة - محافظة الشرقية - مصر

الفراسة والحياء

الفراسة والحياء



زوجة  سيدنا موسي (عليه السلام)




يقول ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة ؛ صاحب يوسف حين قال لامرأته: (أكرمي مَثْوَاهُ) [يوسف:21]،وصاحبة موسى حين قالت: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) [القصص: 26]، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.

ولكن ما الذي أخرج موسى من مصر إلى أرض مدين في جنوبفلسطين؛ ليتزوج من ابنة الرجل الصالح، ويرعى له الغنم عشر سنين ؟!

كان موسىيعيش في مصر، وبينما هو يسير في طريقه رأى رجلين يقتتلان؛ أحدهما من قومه "بنيإسرائيل"، والآخر من آل فرعون. وكان المصري يريد أن يسخِّر الإسرائيلي في أداء بعضالأعمال، واستغاث الإسرائيلي بموسى، فما كان منه إلا أن دفع المصري بيده فمات علىالفور، قال تعالي: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَافَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْعَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِفَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُعَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِين)[القصص: 15]

 
وفى اليوم التالي تشاجر اليهودي مع رجلآخر فاستغاث بموسى -عليه السلام- مرة ثانية فقال له موسى: إنك لَغَوِى مُبين؛ فخافالرجل وباح بالسِّرِّ عندما قال: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس، فعلمفرعون وجنوده بخبر قتل موسى للرجل، فجاء رجل من أقصى المدينة يحذر موسى، فأسرعبالخروج من مصر، وهو يستغفر ربه قائلاً: (رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص :16]

وخرج موسىمن مصر، وظل ينتقل حتى وصل إلى أرض مَدْين في جنوب فلسطين، وجلس موسى -عليه السلام- بالقرب من بئر، ولكنه رأى منظرًا لم يعجبه؛ حيث وجد الرعاة يسقون ماشيتهم من تلكالبئر، وعلى مقربة منهم تقف امرأتان تمنعان غنمهما عن ورود الماء؛ استحياءً منمزاحمة الرجال، فأثر هذا المنظر في نفس موسى؛ إذ كان الأولى أن تسقى المرأتانأغنامهما أولاً، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما، فذهب موسى إليهما وسألهما عنأمرهما، فأخبرتاه بأنهما لا تستطيعان السقي إلا بعد أن ينتهى الرجال من سقىماشيتهم، وأبوهما شيخ كبير لا يستطيع القيام بهذا الأمر، فتقدم ليسقى لهما كماينبغى أن يفعل الرجال ذوو الشهامة، فزاحم الرجال وسقى لهما، ثم اتجه نحو شجرةفاستظل بظلها، وأخذ يناجى ربه: (رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير) [القصص 24]


وعادت الفتاتان إلى أبيهما، فتعجب من عودتهما سريعًا. وكان من عادتهما أنتمكثا وقتًا طويلا حتى تسقيا الأغنام، فسألهما عن السبب فى ذلك، فأخبرتاه بقصةالرجل القوى الذي سقى لهما، وأدى لهما معروفًا دون أن يعرفهما، أو يطلب أجرًا مقابلخدمته، وإنما فعل ذلك مروءة منه وفضلا.
وهنا يطلب الأب من إحدى ابنتيه أن تذهبلتدعوه، فجاءت إليه إحدى الفتاتين تمشى على استحياء، لتبلغه دعوة أبيها: (إن أبىيدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) [القصص: 25]. واستجاب موسى للدعوة، فلما وصل إلىالشيخ وقصّ عليه قصته، طمأنه الشيخ بقوله: (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِالظَّالِمِينَ)[القصص: 25]


وعندئذ سارعت إحدى الفتاتين -بما لها من فراسة وفطرةسليمة، فأشارت على أبيها بما تراه صالحًا لهم ولموسى -عليه السلام-: (قَالَتْإِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِى الأَمِين)[القصص: 26]. فهي وأختها تعانيان من رعى الغنم، وتريد أن تكون امرأةمستورة، لا تحتكّ بالرجال الغرباء في المرعى والمسقي، فالمرأة العفيفة الروح لاتستريح لمزاحمة الرجال. وموسى فتى لديه من القوة والأمانة ما يؤهله للقيام بهذهالمهمة، والفتاة تعرض رأيها بكل وضوح، ولا تخشى شيئًا، فهى بريئة النفس، لطيفةالحسّ.


ويقتنع الشيخ الكبير لما ساقته ابنته من مبررات بأن موسى جدير بالعملعنده ومصاهرته، فقال له: (إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىهَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِى حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْعِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَالصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُفَلَا عُدْوَانَ عَلَى وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)[القصص28-27].


ولـمَّا وَفَّى موسى الأجل وعمل في خدمة صِهْرِه عشر سنين، أراد أنيرحل إلى مصر، فوافق الشيخ ودعا له بالخير، فخرج ومعه امرأته وما أعطاه الشيخ منالأغنام، فسار موسى من مدين إلى مصر.


وهكذا كانت زوجة موسى - رضي اللَّه عنها- نموذجًا للمؤمنة، ذات الفراسة والحياء، وكانت قدوة في الاهتمام باختيار الزوج الأمين العفيف.

 

إبراهيم الشرقاوي

 

(9) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 يوليو, 2008 04:05 م , من قبل MAI2009
من مصر

اشكرك اخى العزيز على ما قدمته لنا من معلومات عن زوجة سيدنا موسى عليه السلام والمدونة الرائعة المليئه بالمعلومات عن ديننا وكم اتمنى لك التوفيق فى حياتك وانتظرجديدك مع خالص تحياتى


اضيف في 09 يوليو, 2008 04:08 م , من قبل 0sadeer
من سوريا


السلام عليكم أخي العزيز

** سيدي - إبراهيم **


أنا هنا لست أزيد .. بل استزيد..


اللهم اجزيه الخير و جعله في ميزان العمل...

اللهم أغفر و ارحم من كتب ...

اللهم اغفر و ارحم من قرأ....

اللهم اغفر و ارحم من علق...


بارك الله فيك و حماك الله و رعاك و نولك مناك

بكل احترام و تقدير

سدير


اضيف في 09 يوليو, 2008 04:48 م , من قبل taleen84

اللهم اجعلنا اولات فراسة

وجملنا بالحياء

اورد لن رب العزة في القرآن الكريم

اقتداءات نبوية عظيمة،،

بارك الله فيك وجزاك خيرا

موضوع جميل جدا

جعله الله في موازين حسناتك


اضيف في 09 يوليو, 2008 05:40 م , من قبل alawneh92
من الأردن

جازاك الله كل خير وجعله في ميزان حسناتك تقبل مروري اخوك محمد العلاونة

انتظر زيارتك على المدونه


اضيف في 09 يوليو, 2008 07:57 م , من قبل firdaousmaroc
من المغرب

شكرا على هذه الملعومات

و جزاك الله الجنة


دمت بخير ..


اضيف في 10 يوليو, 2008 03:45 ص , من قبل manalalex
من مصر

اخى العزيز
هذه القصة فعلا رائعة لما تحمله من معانى جميلة ...جزاك الله خيرا
تحياتى لك
وادعوك لزيارة مدونتى
اختك منال


اضيف في 10 يوليو, 2008 09:22 ص , من قبل yolafamely64

أخي العزيز
سلمت يداك على هذا الموضوع و أتمنى لك المزيد من التوفيق .

دمت برعاية الرحمن
أختك يــولا


اضيف في 15 يوليو, 2008 03:12 م , من قبل dandoon85

جاري

بارك الله فيك وزادك من فضله
داوم على الكتابه فنحن نداوم على الاستفادة مما تكتب


اضيف في 12 اغسطس, 2008 12:51 م , من قبل ikhasan
من الولايات المتحدة

الله المستعان..
اللهم ارزقنا الحياء و الفراسة
امين..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية