الدين والحياة
الدين والحياة - إبراهيم الشرقاوي - مدينة الصالحية الجديدة - محافظة الشرقية - مصر

المتوكلة

المتوكلة

(أم موسي)



تحت صرخات امرأة ذُبح ابنها،فتحت أيارخا زوجة عمران الباب، بعد أن ابتعدت أقدام جنود فرعون، واختفت ضحكاتهمالوحشية، ومضت إلى جارتها، التي كانت أقرب إلى الموت منها إلى الحياة، تخفف عنهاآلامها، وتواسيها في أحزانها.
كان بنو  إسرائيل في مصر يمرون بأهوال كثيرة، فقدضاق بهم "فرعون"، وراح يستعبدهم ويسومهم سوء العذاب؛

 نتيجة ما رأى في منامه من رؤياأفزعته، فدعا المنجِّمين لتأويل رؤياه، فقالوا: سوف يولد في بني إسرائيل غلام يسلبكالمُلك، ويغلبك على سلطانك، ويبدل دينك. ولقد أطل زمانه الذي يولد فيهحينئذٍ.


ولم يبالِ فرعون بأي شيء سوى ما يتعلق بملكه والحفاظ عليه، فقتل الأطفالدون رحمة أو شفقة، وأرسل جنوده في كل مكان لقتل كل غلام يولد لبنى إسرائيل.
وتحت غيوم البطش السوداء، ورياح الفزع العاتية، وصرخات الأمهات وهن يندبنأطفالهن الذين قُتِلوا ظلمًا، كان الرعب يسيطر على كيان زوجة عمران، ويستولى الخوفعلى قلبها، فقد آن وضع جنينها وحان وقته، وسيكون مولده في العام الذي يقتل فرعونفيه الأطفال. واستغرقت في تفكير عميق، يتنازع أطرافه يقين الإيمان ولهفة الأم علىوليدها، ووسوسة الشيطان الذي يريد أن يزلزل فيها ثبات الإيمان، لذلك كانت تستعيندائمًا باللَّه، وتستعيذ به من تلك الوساوس الشريرة.


ولما أكثر جنود فرعون منقتل ذكور  بني  إسرائيل قيل لفرعون:

 إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهموغلمانهم، ولا يمكن لنسائهم أن يقمن بما يقوم به الرجال من الأعمال الشاقة فتنتهي  إلينا، حيث كان بنو إسرائيل يعملون في خدمة المصريين فأمر فرعون بترك الولدان عامًاوقتلهم عامًا، وكان رجال فرعون يدورون على النساء فمن رأوها قد حملت، كتبوا اسمها،فإذا كان وقت ولادتها لا يولِّدها إلا نساء تابعات لفرعون . فإن ولدت جارية تركنها،وإن ولدت غلامًا؛ دخل أولئك الذباحون فقتلوه ومضوا. ولحكمة اللَّه -تعالى وعظمته- لم تظهر على زوجة عمران علامات الحمل كغيرها ولم تفطن لها القابلات ، وما إن وضعتموسى - عليه السلام- حتى تملكها الخوف الشديد من بطش فرعون وجنوده، واستبد بهاالقلق على ابنها موسى، وراحت تبكى حتى جاءها وحى اللَّه عز وجل آمرًا أن تضعه داخلصندوق وتلقيه في النيل.

 قال تعالي: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْأَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِىوَلَا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص :7].


وكانت دار أم موسى على شاطئ النيل، فصنعت لوليدها تابوتًا وأخذتترضعه، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه، ذهبت فوضعته في التابوت، وسَـيرَتْـهُ فيالبحر، وربطته بحبل عندها.


وذات يوم، اقترب جنود فرعون، وخافت أم موسى عليه،فأسرعت ووضعته في التابوت، وأرسلته في البحر، لكنها نسيت في هذه المرة أن تربطالتابوت، فذهب مع الماء الذي احتمله حتى مرَّ به على قصر فرعون. وأمام القصر توقفالتابوت، فأسرعت الجواري وأحضرنه، وذهبن به إلى امرأة فرعون، فلما كشفت عن وجههأوقع اللَّه محبته في قلبها، فقد كانت عاقرًا لا تلد. وذاع الخبر في القصر، وانتشرنبأ الرضيع حتى وصل إلى فرعون، فأسرع فرعون نحوه هو وجنوده وهمّ أن يقتله، فناشدتهامرأته أن يتركه، وقالت له:

 (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّىوَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَايَشْعُرُونَ) [القصص: 9].


كاد قلب أم موسى أن يتوقف، فهي ترى ابنها عائمًا فيصندوق وسط النهر، ولكنَّ الله صبرها، وثبتها، وقالت لابنتها: اتبعيه، وانظري أمره،ولا تجعلي أحدًا يشعر بك. وكان قلبها ينفطر حزنًا على مصير وليدها الرضيع الذي جرفهالنهر بعيدًا عنها

 (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْلَتُبْدِى بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَالْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْلَا يَشْعُرُون) [القصص: 10-11].
فرحت امرأة فرعون بموسى فرحًا شديدًا، ولكنهكان دائم البكاء، فهو جائع، ولكنه لا يريد أن يرضع من أية مرضعة، فخرجوا به إلىالسوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته أخته بأيديهم عرفته، ولمتُُظِْْهِْر ذلك، ولم يشعروا بها، فقالت لهم: أعرف من يرضعه. وأخذته إلى أمه

) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىأَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فَرَدَدْنَاهُ إِلَىأُمِّهِ كَى تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِحَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[القصص: 12-13].

 هذا هو القدر الإلهييظهر منه ومضات ليتيقن الناس أن خالق السَّماوات والأرض قادر على كل شيء:

(وَاللّهُغَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف 21].


وما إن وصل موسى -عليه السلام- إلى أمه حتى أقبل على ثديها، ففرحت الجواريبذلك فرحًا شديدًا، وذهب البشير إلى امرأة فرعون، فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها،وأعطتها مالا كثيرًا - وهى لا تعرف أنها أمه-، ثم طلبتْ منها أن تُقيم عندها لترضعهفرفضتْ، وقالت : إن لي بعلا وأولادًا، ولا أقدر على المقام عندك، فأخذته أم موسى إلىبيتها، وتكفلت امرأة فرعون بنفقات موسى. وبذلك رجعت أم موسى بابنها راضية مطمئنة،وعاش موسى وأمه في حماية فرعون وجنوده، وتبدل حالهما بفضل صبر أم موسىوإيمانها.


ولم يكن بين الشدة والفرج إلا يوم وليلة، فسبحان من بيده الأمر، يجعللمن اتقاه من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.

إبراهيم الشرقاوي

 

(7) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 21 يوليو, 2008 01:17 م , من قبل alahhat
من المملكة العربية السعودية

جزاك الله خير الجزاء

جعله الله في ميزان حسناتك

من ااجمل ما قرأءت


اضيف في 21 يوليو, 2008 01:46 م , من قبل nashwa78
من مصر

انت كعادتك رائع وموضوعتك هدافة ولها تأثير على قرئها
اعز ك اللة


اضيف في 21 يوليو, 2008 03:45 م , من قبل loolia
من فلسطين

جزيت الخير اخي الكريم
تقبل مروري


اضيف في 21 يوليو, 2008 03:45 م , من قبل loolia
من فلسطين

جزيت الخير اخي الكريم
تقبل مروري


اضيف في 21 يوليو, 2008 03:48 م , من قبل loolia
من فلسطين

جزيت الخير اخي الكريم
تقبل مروري


اضيف في 22 يوليو, 2008 12:06 م , من قبل 0sadeer
من سوريا


السلام عليكم أخي العزيز

** سيدي - إبراهيم**

ما شاء على هذا البستان الماتع اليانع..

أنا هنا لست أزيد .. بل استزيد..


اللهم اجزيه الخير و جعله في ميزان العمل...

اللهم أغفر و ارحم من كتب ...

اللهم اغفر و ارحم من قرأ....

اللهم اغفر و ارحم من علق...


بارك الله فيك و حماك الله و رعاك و نولك مناك

بكل احترام و تقدير

سدير


اضيف في 22 يوليو, 2008 12:51 م , من قبل firdaousmaroc
من المغرب

جزاك الله الجنة

مقال رائع

يسلمو




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية